نصر حامد أبو زيد

82

الاتجاه العقلي في التفسير

دلالة ، وأقوى في بابه ، لأنها لا تحتمل المجاز ولا الاستعارة الذي يحتمله الكلام لأمر يرجع إلى طبيعته الخاصة . وإذا كانت دلالة الكلام - في باب المعجزات - أقلّ من الفعل لجواز وقوع المجاز والاستعارة فيه ، فإن الكلام يتميّز عن الإشارات والحركات بأنه يعبّر باتساع عن حاجات الناس ومطالبهم ، وهي حاجات لا تستطيع الإشارات والحركات - لضيقها ومحدوديتها - أن تتسع له . ويربط الجاحظ بين وسائل البيان والحاجات البشرية الاجتماعية . وإذا كان الانسان - في نظر الجاحظ - اجتماعيا بطبعه ، فمن الطبيعي أن يحسّ بالحاجة للإبانة عن نفسه والتواصل مع غيره من بني البشر « فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد ، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى ، واحتياج الأقصى إلى معرفة الأدنى . . . وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا ، كحاجة من كان قبلنا إلى اخبار من كان قبلهم ، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا » 147 فلا بدّ إذن من وسيلة لنقل المعرفة والخبرة ، والتواصل بين القريب والبعيد ، وبين الماضي والحاضر والمستقبل . ولا تترك العناية الإلهية الانسان دون أن تكمل له وسائله وحاجاته . وعلى قدر تعدد الحاجات للإبانة ، تتعدد وسائل الإبانة ، وعلى ذلك فإن اللّه « لم يرض لهم من البيان بصنف واحد . . . وجعل آلة البيان التي بها يتعارفون معانيهم ، والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم في أربعة أشياء . . . هي : اللفظ ، والخط ، والإشارة ، والعقد » 148 يتفق القاضي عبد الجبار مع الجاحظ في تأكيد وجه المصلحة في وجود وسيلة للإبانة ، وإن اختلف معه في التفرقة بين الإشارة والكلام ، اللذين وحّد الجاحظ بينهما في النص السابق ، وذلك بناء على تفرقته بينهما من حيث الضيق والاتساع « إن حاجة العقلاء لمّا دعت إلى الإنباء عمّا في النفس ، لما فيه من النفع ، ودفع الضرر ، وعلموا أن ذلك وإن صح بالمواضعة على الحركات وغيرها فلا يتسع ذلك اتساع الكلام ، اقتضى ذلك المواضعة على الكلام الذي عند التأمل تعرف أنه أشدّ اتساعا من كل ما تصح فيه المواضعة . وليس يمتنع أن يعرفوا ذلك الهاما ، أو بالتأمل ، أو الاختبار ، وللاجتماع في ذلك من التأثير ما ليس للانفراد ، لأن جميعهم إذا تعارفوا على المراد قل فيه اللبس وظهر فيه الغرض » 149 .